ابرز اخبار لبنان

دوار واشنطن الأفغاني ينسحب في لبنان انحسارا للحلفاء!

أنطوان الأسمر

لا شيء يعلو في واشنطن على الذهول والدوار الذي أصاب دوائر القرار في المؤسسات الأميركية من البيت الأبيض والكونغرس الى وزارة الخارجية، نتيجة التطورات الأفغانية، فيما تنكب وكالة المخابرات المركزية على وضع تقويم شامل لما حصل وسبل المعالجة بعدما تحوّل إنسحاب القوات الاميركية من كابول نكسة بأبعاد سياسية واضحة تسعى كل من بكين وموسكو الى توظيفها في سياق السباق المحموم على مناطق النفوذ. وكانت واضحة مسارعة اللوبي الإيراني ومجموعات الضغط المرتبطة بالإخوان المسلمين، الى استكشاف إمكان الاستثمار في ما يحصل وملء أي فراغ محتمل، إنطلاقا من الثابتة الجيوسياسية الشهيرة بأن الطبيعة لا تحتمل الفراغ.
من الواضح أن ثمة خطأ ارتكُب في تقويم مآل الاتفاقات الأميركية مع طالبان كنتيجة محادثات بدأت العام 2020 في الدوحة زمن الإدارة السابقة، واستمرت الى أن انتهت بإتفاق على الانسحاب الكامل بحلول 11 أيلول 2021. ولا يخفى الإتهام الكبوت حتى الآن، إلى المعني الأول برسم سياسة واشنطن في أفغانستان السفير زلمان خليل زاده، المبعوث الخاص إلى كابول وصانع الأدوار والرؤساء والسياسات.
ومن الواضح أيضا أن ثمة خوفا متزايدا لدى المجموعات الحليفة لواشنطن أو المحسوبة عليها في المنطقة، من إمكان ان تنسحب سياستها الأفغانية تخليا في مناطق مثل سوريا والعراق، وربما لبنان على ضآلة الحضور الأميركي فيه.
وزادت زيارة وفد الكونغرس الى بيروت برئاسة السيناتور الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت كريس مورفي في غموض الموقف الأميركي.
1-ففي الشكل، لم يلتق الوفد أيا من المجموعات الحليفة أو المحسوبة على واشنطن، إذ اقتصرت لقاءاته على الرسمية منها، الى جانب اجتماعات مع مجموعات من المجتمع المدني، وهي مجموعات تعوّل عليها واشنطن لإحداث الإختراق المنشود في البنيان السياسي من طريق الانتخابات النيابية. وليس خافيا الرعاية التي توليها الإدارة الأميركية لهؤلاء، وهي رعاية سياسية ومادية مباشرة وغير مباشرة. ولم تأت صدفة أو تفصيلا الحملة الإعلانية التي أطلقتها إحدى تلك المجموعات بالتزامن مع زيارة وفد الكونغرس، وقُدّرت ميزانيتها بـ500 ألف دولار طازجة، وهو صرف إنتخابي استثنائي ومستغرب ومبكر نسبيا في وقت تعاني غالبية اللبنانيين من أزمة إقتصادية واجتماعية ومالية خانقة.
2-وفي المضمون، حاكى الوفد في لقاءاته إهتمام واشنطن في الإقليم من باب الاتفاق النووي، فلم يكن موقفه قاطعا من الإفادة اللبنانية من النفط الإيراني، وإن ذكّر بالعقوبات ونصح بعدم التعويل على هذا النفط. وبات واضحا أن الهمّ الرئيسي لواشنطن في الشرق الأوسط هو إعادة ترتيب المنطقة على وقع تسليم إدارتها إلى الإسلام السياسي السنّي والشيعي الى جانب المساهمة الإسرائيلية في عملية الإدارة تلك، تمهيدا لإنسحاب متدرج عسكري، ولاحقا سياسي على الأرجح في حال نجحت الإدارة الثلاثية التي تعوّل عليها لتنظيم الإقليم بهدف التفرّغ الى المنازلة الكبرى مع الصين وروسيا.
وسعى مساعد وزير الخارجية بالوكالة لشؤون الشرق الأدنى جوي هود الى التخفيف من هواجس الحلفاء، بتأكيده أن “سيناريو أفغانستان لن يتكرر في العراق وسوريا وأن القوات الأميركية لن تنسحب من هناك”. وجاء كلام هود على خلفية ما تردد في الساعات القليلة الفائتة عن إخلاء القوات الأميركية 3 قواعد عسكرية في في شمال شرق سوريا تابعة للتحالف الدولي لمحاربة داعش، الأمر الذي نفاه المتحدث باسم التحالف وين ماروتو، متحدثا عن “زيارات منتظمة لقوافل الإمداد المدنية إلى المرافق الموقتة التابعة للولايات المتحدة”.
هذا الجانب الغامض والضبابي في الموقف الأميركي في لبنان لم ينزل بردا على الحلفاء، وخصوصا الأحزاب التقليدية. وربما كان سببا في تعثر المشاورات الحكومية، مع التصلّب الواضح في المواقف والذي من شأنه أن يزيد في تأخير عملية الاستيلاد القيصرية.
ويعزو البعض هذا التصلب الى تخوّف مستجد من أن يؤدي التراجع الأميركي في المنطقة الى قضم مكتسبات الأحزاب التقليدية الحليفة وتقديم مصلحة الحلفاء الجدد من مجموعات المجتمع المدني الأكثر نشاطا راهنا على المستوى الانتخابات النيابية، وهو ما قد يعني مزيدا من التعقيدات السياسية المفتعلة بهدف إسماع صوت الإعتراض على السياسة الأميركية الجديدة المتّبعة في لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق